محمد عزة دروزة

179

التفسير الحديث

سفر التثنية المتداول اليوم والذي فيه تذكير بأحداث رسالة موسى وعهده شيء قد يمتّ إليها حيث احتوى الإصحاح الواحد والعشرون تشريعا في صدد القتيل الذي لا يعرف قاتله جاء فيه فيما جاء أن يكسر عنق بقرة لم يحرث عليها ولم تجر بالنير في واد لم يفلح ولم يزرع ويغسل جميع شيوخ القرية أيديهم على العجلة المكسورة العنق ويقولون أيدينا لم تسفك هذا الدم وعيوننا لم تر ويسألون اللَّه الغفران . على أن أسلوب الآيات وهي توجه الخطاب إلى السامعين من بني إسرائيل - كأنما هم الفاعلون وليسوا آباءهم - وتندد بهم وتصف لجاجهم وقسوة قلوبهم بسبيل توكيد اللحمة بينهم وبين آبائهم الغابرين أفعالا وأخلاقا ونسبا يدل على أنها تساق إلى قوم يعرفونها وعلى أنها كانت مذكورة في بعض قراطيسهم التي لم تصل إلينا . وفي كتب التفسير تفصيلات كثيرة في صدد القصة وجزئياتها معزوة إلى بعض أصحاب رسول اللَّه وتابعيهم حتى لقد استغرقت من تفسير الطبري اثنتين وعشرين صفحة كبيرة . وليس منها شيء وارد في كتب الصحاح وقد تدل مع ذلك على أن القصة كانت متداولة في بيئة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مع حواش وشروح . وليس لهذا مصدر غير اليهود ولم نر طائلا في إيراد تلك التفصيلات ولو تلخيصا لأن القصة كما هو واضح من أسلوبها لم تورد لذاتها وإنما أوردت لبيان ما كان اليهود القدماء يجنحون إليه من لجاج ومشاقة إزاء ما كان يأمرهم اللَّه به بلسان موسى حتى لقد كانوا يشقون على أنفسهم أو يجعلون اللَّه يشق عليهم نتيجة لذلك . ثم لبيان ما كان من عدم اتعاظهم بآيات اللَّه وقسوة قلوبهم بعد هذا الحادث ، تلك القسوة الشديدة التي صورتها الآيات بأروع أسلوب وأقواه . وبمعنى آخر للتنديد بآباء اليهود السامعين والإهابة بالسامعين إلى عدم تكرار تاريخ هؤلاء الآباء وتحذيرهم من قسوة القلب التي كان عليها أولئك الآباء . وهكذا تتسق أهداف هذه الحلقة مع أهداف الحلقات السابقة . وكما قلنا في أعقاب الحلقات السابقة نقول هنا إن في القصة تلقينا مستمر